التحرير
من الأسرة :
أصبح نهار
ثانى أيام
العام الجديد،
فى التقهقر،
تكاد أن تختفى
شمسه ،
فالسماء ملبدة
بالغيوم
والسحب، وأخذ
المطر فى
الهطول، وزحفت
على المدينة
عاصفة برد،
تصاحبها رياح
شديدة، تحولت
شوارع
الإسكندرية
إلى برك
ومستنقعات من
مياه الأمطار،
وبالرغم من
ذلك ، كان
المارة يسيرون
بخطى سريعة
متجهين إلى
أعمالهم.
وفى هذا اليوم
الممطر أستعد
مركز رعاية
وتأهيل طفل
الشارع ، لبدء
عمله اليومى
وإستقبال
المشتركين فيه
عندما أشارت
عقارب الساعة
إلى الثامنة
صباحاً.
بدأ الأطفال
يتوافدون على
المركز، فى
مجموعة تلو
الأخرى ، وقد
بدا على
الأطفال
الإرهاق ،
وأنهم قد
عاشوا ليلة
عصيبة من جراء
قسوة الطقس.
أخذ الأخصائى
فى ممارسة
عمله اليومى،
بتسجيل
الأسماء
وتسليم
الأطفال ملابس
نظيفة،
وتسليمهم
أدوات النظافة
الشخصية، لكى
يستحموا
وينطفوا
أنفسهم،
ويستبدلوا
الملابس بأخرى
نظيفة.
وأثناء
الإنغماس فى
العمل، إذ
بمجموعة من
الأطفال تصطحب
معها طفلا
غريب المنظر ،
أنه صديق جديد
صغير القدمين
غائر العينين
ملامح وجهه
يتغلب عليها
التشويه
والقذارة ،
وصوته أكبر من
عمره ، ويكاد
أن ينطق
بكلمات متقطعة
وغير مرتبة ..
سأله الأخصائى:
- ما أسمك؟
- صمت الطفل
ولم يجب.
- كرر الأخصائى
السؤال . فرد
الطفل وهو
يحبس أنفاسه
وقال : أسمى(بهاء)
- من أين أنت يا
سيد (بهاء)؟
- ويتردد الطفل
فى الإجابة ...
أنا من طنطا
- يسايره
الأخصائى،
ويسأله: من أين
أنت من طنطا ؟
- وبسرعة يجاوب
الطفل : من
منطقة فيشا
سليم
يغضب الأخصائى
وينهض ثائراً :
أنت هنا جئت
بمحض إرادتك ،
ولست مجبراً
أن تحضر ولك
مطلق الحرية
فإن أرت
العودة إلى
الشارع فلك
ذلك إن أردت
الإستمرار فى
المركز ..
فالأمر متروك
لإختيارك . لكن
أعلم أنك لو
أخترت
الإستمرار
معنا بالمركز
فيجب عليك
الإلتزام
بالتعليمات ،
وأول هذه
التعليمات أن
تكون صادق مع
نفسك ثم مع
الأخصائى الذى
يتعامل معك ...
إذن ماذا
تختار؟
يصر الطفل على
كلامه ، ثم
يصمت رويداً ..
ومن ثم تنهال
الدموع من
عيناه .. يسرع
الأخصائى
ويعطى الطفل
منديلا ليمسح
دموعه.. وهمس
فى أذنه قائلا:
إن دموعك لا
تفيد شىء ..
ويبدو أنك
تحتاج بعض
الوقت، لتستقر
على راى .. أذهب
وأجلس فى هذا
المقعد، حتى
أنتهى من
تسجيل أسماء
الزملاء
الأخرين.
جلس الطفل ....
هادئاً ......
صامتاً ،
ولكنه أخذ
يتابع
الأخصائى
بإهتمام ، وهو
يتحدث مع
الإطفال
الآخرين ... وقد
لاحظ المعاملة
، والعلاقة
الطيبة التى
تربط الأخصائى
وسائر الأطفال
... وفى نفس
الوقت أستمع
الطفل لنصائح
وغمزات
الأطفال
فقالوا له:
- لا تخف وخليك
صريح مع
الأخصائى.
- سوف لا يجبرك
للعودة إلى
المنزل.
- فى المركز يا
عبيط ، تحصل
على الطعام
والملبس ،
وهناك لعب
كثيرة ،
وفيديو ومصروف
أيضاً.
- وأثناء ذلك
يلاحظ صاحبنا،
الأطفال الذين
أستحموا
وبدلوا
ملابسهم، وهم
فى منتهى
السعادة.
تعجب صاحبنا
وأخذ يتسأل:
- أليس هم
الأطفال الذين
جاءوا معى منذ
قليل من
الشارع، يبدو
أنهم ليسوا
أطفال بلا
مأوى.
ينهض صاحبنا..
ويندفع نحو
الأخصائى...
ويقول له
الأخصائى..
- يبدوا أنك
أتخذت قرارك...
- نعم
- ما هو قرارك؟
- لقد أخترت
الإستمرار
معكم بالمركز
- كل ما أوده ...
الصراحة
والصدق.
- حاضر يا
أستاذ.
- أجبنى بصراحة
... ما أسمك ؟
ومن أين أنت ؟
- أسمى (سعيد)
من قرية
علوانى ، مركز
منقباد،
محافظة أسيوط.
سجل الأخصائى
كل البيانات ...
وسلمه ملابس
جديدة وطلب
منه أن يستحم.
بعد فترة
قصيرة .. يعود
الطفل على
مكتب الأخصائى
، وقد تغيرت
ملامحه ....
أرتدى ثياباً
نظيفة ... وظهرت
ملامح وجهه
المتأثرة
بأشعة الشمس ..
يبلغ صاحبنا
من العمر ما
بين الثالثة
عشر والرابعة
عشر عاماً ...
طلب الأخصائى
الإجتماعى منه
... أن يصفف
شعره ، وعليه
أن يذهب بعد
ذلك إلى طبيب
المركز.
أمام عيادة
الطبيب وقف
الطفل ينتظر
دوره. رحب
الطبيب بالطفل
وبادره قائلا
... أهلا ... أهلا
.... يا حبيبى ،
ما اسمك؟ - هل
أنت طفل جديد؟
- نعم.
فحص الطبيب
الطفل ، وسجل
كل البيانات
فى الكراسة
الطبية الخاصة
به ، وحمل
الطفل النتيجة
إلى الأخصائى
الإجتماعى ...
وقدم الطبيب
أثناء فحص
الطفل نصائح
ومعلومات صحية
شملت التغذية
والتدخين ....
ألخ.
قابل الأخصائى
الطفل مرة
ثانية ، ودعاه
لتناول
الإفطار....
وأنتهى صباحه
بمتابعة فصول
محو الأمية.
بعد برنامج
محو الأمية ،
قابل الطفل
الأخصائى
الإجتماعى ،
ودعاه لمواصلة
برنامجه
اليومى فى
اللعب ،
ومشاهدة فيلم.
أنتهى
البرنامج
اليومى ... وهرع
الأخصائى إلى
الأطفال
المجتمعين فى
القاعة ، وطلب
منهم الإنصراف
وتغيير
الملابس
النظيفة ،
بملابس
الصباح، التى
خضروا بها......
وزع المصروف
عليهم وودعهم
... وأنطلقوا من
جديد إلى
المأوى الوحيد
بالنسبة لهم
.... وهو الشارع.
أنصرف أيضاً
الطفل ( الجديد
) إلى الشارع
مع الآخرين ،
وأخذ يمارس
حياته بطريقة
طبيعية يبيع
المناديل
الورقية ،
ويمسح زجاج
السيارات تاره
أخرى ، وينام
فى نهاية
اليوم بأحد
المساجد.
وبعد تردد
أربعة مرات
على المركز ،
جلس الطفل مع
الأخصائى
الاجتماعى ،
وعرض أن يحكى
قصته:
سبب هروبى ، هو
أن والدى حصل
على حكم بثلاث
سنوات سجن ،
كذلك أمى كانت
تقسو على ،
وتضربنى ضرباً
مبرحاً
وتدفعنى أن
أعمل لأحضر
لها المال ،
وجعلتنى أن
أهمل دراستى
الأزهرية ،
بعد أن بلغت
الصف السادس
الإبتدائى فى
مراحلة
التعليمية ،
وفى عمرى
للأسف لا
أستطيع أن
أعول أسرة من
سبعة أفراد
مرت الأيام ،
وأنتظم الطفل
فى حضوره إلى
المركز وقد
تنوعت الأنشطة
، ما بين
الأشغال
اليدوية
والموسيقى
والرسم
والرحلات هذا
بالإضافة إلى
الرياضة
والترفيه
والأنشطة
العلمية.
أصبح الطفل
مندمجاً فى
حياه المركز ،
وملتزماً
خلقياً فى
الداخل
والخارج، وقد
وصل رصيده
ببنك الطفل
بالمركز فى
وقت قصير إلى
حوالى مائة
جنيهاً . تغيرت
شخصية الطفل،
وأصبح من
الشخصيات
القيادية.
وذات يوم وقعت
حادثة له ، فقد
كسر فيها ساقه
الأيمن ، وتم
إسعافه وتجبيس
ساقه ، وكانت
هذه الحادثة
عبارة عن أزمة
له فكان لابد
من رفع ساقه
إلى أعلى لمدة
3 أسابيع ،
ولكن هذه
الأزمة كانت
من جهة أخرى
دفعة لنمو
وتغيير شخصية
وسلوك ومن ثم
قرر مع
الأخصائى
الإجتماعى ،
العودة إلى
المنزل بعد
إتمام الشفاء.
أعد الأخصائى
مكاناً
لاستضافة
الطفل لمدة 3
أسابيع ،
وفجأه طلب
الطفل أن
يتحدث مع
الإخصائى .
- والدى لم
يسجن ، وأنه
يعمل مساعد
شرطة بسجن عام
قنا، بمصلحة
السجون
وأنه كثير
التنقل من
مكان لآخر ،
أستقرت الأسرة
أخيراً
بالمنصورة .
يسأل الأخصائى
الإجتماعى عن
مقر الأسرة
بالمنصورة
فعرف أن
الأسرة انتقلت
الى مكان اخر
وحضر الأب
يبحث عن أبنه
فى الإسكندرية
، وأنتقل
الأخصائى مع
الطفل الى
المنصورة ...
وأحتار الجميع
فى البحث عن
الآخر.
بالصدفة ،
وبحكم عمل
الأب ، سأل عن
أبنه فى
الأقسام وتوجه
الى مراكز
إستضافة أطفال
بلا مأوى ...
وعندما حضر
الى المركز
الذى يتردد
عليه ابنه ...
وعلم انه سافر
الى المنصورة
للبحث عن
الأسرة ... ترك
خطاباً به كل
المعلومات
والعنوان
الحالى لمكان
الأسرة الحالى.
دلت المعلومات
أن الأسرة
عادت الى
أسيوط ... دعا
الأخصائى
الإجتماعى
الطفل الى
منزله للتمكن
من السفر مساء
اليوم المقرر.
استقبلت اسرة
الأخصائى
الطفل بكل
ترحاب ... وبعد
تناول العشاء
... راح الطفل
فى نوم عميق ....
واستيقظ فى
الوقت المناسب
لإستقلال
القطار مع
الأخصائى
والسفر الى
اسيوط.
وصل الإثنان
الى اسيوط
وتوجها الى
المنزل
العائلى حسب
البيان الذى
كان قد تركه
الأب ، تقيم
الأسرة أذن فى
قرية علوانى،
مركز منقباد
محافظة أسيوط
فرح الجميع
بعودة الطفل ،
ولتأكيد
الفرحة أطلقوا
الأعيرة
النارية ، حسب
عادات أهل
الصعيد.
شعر الطفل أن
الكل سعيد
بعودته ، وان
أسرته هى
المكان الآمن
لحياته.
أجتمع
الأخصائى
بالأب والأم
والطفل معاً ،
وشرح لهم
الجوانب
النفسية
والإجتماعية
والصحية
والإقتصادية
بالنسبة
للإطار الذى
عاش فيه الطفل
، واعطاء
النصيحة لهم
فى كيفية
التعامل مع
الطفل
والمحافظة على
عملية
استقراره فى
احضان الأسرة.
أتفق الجميع
على ان يستمر
الطفل فى
دراسته ...
واستمرت
العلاقة مع
الطفل وأسرته
بالتليفون
والبريد ،
ودعوة الطفل
للمشاركة فى
المعسكرات
التى ينظمها
المركز
للأطفال أثناء
الصيف.
|
|